عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

531

اللباب في علوم الكتاب

وقرأ ابن أبي « 1 » عبلة : « إلا وسعها » جعله فعلا ماضيا ، وخرّجوا هذه القراءة على أنّ الفعل فيها صلة لموصول محذوف تقديره : « إلّا ما وسعها » وهذا الموصول هو المفعول الثاني ، كما كان « وسعها » كذلك في قراءة العامّة ، وهذا لا يجوز عند البصريّين ، بل عند الكوفيّين ، على أنّ إضمار مثل هذا الموصول ضعيف جدّا ؛ إذ لا دلالة عليه ؛ وهذا بخلاف قول الآخر حيث قال : [ الخفيف ] 1306 - ما الّذي دأبه احتياط وحزم * وهواه أطاع يستويان « 2 » وقال حسّان أيضا : [ الوافر ] 1307 - أمن يهجو رسول اللّه منكم * وينصره ويمدحه سواء « 3 » وقد تقدّم تحقيق هذا ، وهل لهذه الجملة محلّ من الإعراب ، أم لا ؟ الظاهر الثاني ؛ لأنها سيقت للإخبار بذلك ، وقيل : بل محلّها نصب ؛ عطفا على « سمعنا » و « أطعنا » ، أي : وقالوا أيضا : لا يكلّف اللّه نفسا ، وقد خرّجت هذه القراءة على وجه آخر ؛ وهو أن تجعل المفعول الثاني محذوفا لفهم المعنى ، وتجعل هذه الجملة الفعليّة في محلّ نصب لهذا المفعول ، والتقدير : لا يكلّف اللّه نفسا شيئا إلا وسعها . قال ابن عطية : وفي قراءة ابن أبي عبلة تجوّز ؛ لأنه مقلوب ، وكان يجوز وجه اللفظ : إلا وسعته ؛ كما قال : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [ طه : 98 ] ، ولكن يجيء هذا من باب « أدخلت القلنسوة في رأسي » . فصل في كيفيّة النّظم إن قلنا إنّه من كلام المؤمنين ، فإنّهم لمّا قالوا : « سَمِعْنا وَأَطَعْنا » فكأنّهم قالوا : كيف نسمع ولا نطيع ، وهو لا يكلّفنا إلّا ما في وسعنا وطاقتنا بحكم الرّحمة الإلهيّة . وإن قلنا : إنه من كلام اللّه - تبارك وتعالى - ، فإنّهم لمّا قالوا : « سَمِعْنا وَأَطَعْنا » ثم قالوا بعده : « غُفْرانَكَ رَبَّنا » ، طلبوا المغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التّقصير على سبيل الغفلة [ والسّهو ؛ لأنّهم لمّا سمعوا وأطاعوا ، لم يتعمّدوا التّقصير ، فطلبوا المغفرة لما يقع منهم على سبيل الغفلة ] « 4 » ، فلا جرم خفّف اللّه عنهم ، وقال : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » والتّكليف : هو إلزام ما فيه كلفة ومشقّة ، يقال : كلّفته فتكلّف . فصل في بيان مسألة تكليف ما لا يطاق استدلّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة ونظائرها ؛ كقوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ

--> ( 1 ) انظر : الكشاف 1 / 332 ، والمحرر الوجيز 1 / 393 ، والبحر المحيط 2 / 381 ، والدر المصون 1 / 696 . ( 2 ) تقدم برقم 863 . ( 3 ) تقدم برقم 867 . ( 4 ) سقط في ب .